| يوسف يعقوب
قالوا أدب الحرب....قلنا غزة.
أنا ابن هذه المدينة التي تحترق تحت القذائف وتضيء في القصائد أنا ابن غزة التي وُلِدَت في الحرب وعاشت في الصبر.
كبرت بين كتب الأدب وشظايا البيوت المهدمة لا أعرف كيف يُمكن لكاتب أن يهرب من أثر الحرب حين تكون الحرب هي الحياة حين يصبح صوت الطائرات جزءًا من اللغة ودويّ الانفجارات عناوين متكررة في النصوص الطويلة التي نكتبها كل يوم بأجسادنا وأصواتنا وأحلامنا المبتورة.
كيف يُمكن للأدب أن يعبر عن الحرب ونحن نحياها قبل أن نكتبها كيف يمكن أن نصوغ المجاز حين يكون الواقع أكثر فجيعة من أي خيال هل القصيدة تستطيع أن تُوقِف قذيفة هل الرواية تُعيد الشهيد إلى أمه هل القصة القصيرة تفتح بابًا للغائبين كي يعودوا من الغياب نحن نكتب لأن الكتابة هي فعل البقاء لأن الأدب في غزة ليس ترفًا ولا هواية ولا مشروعًا نظريًا بل هو صرخة في وجه الفناء هو محاولة مستمرة لتخليد الصوت في مدينة لا تتوقف عن النزيف.
كثيرون كتبوا عن غزة وكثيرون كتبوا من غزة لكن الأدب الذي يخرج من تحت القصف له طعم آخر نكهة الرماد وصوت الدمار وألم الانتظار إنه أدب لا يُشبه أدب الحرب في أماكن أخرى لأن الحرب هنا ليست حدثًا عابرًا ولا ذكرى قديمة إنها حياة متواصلة وموت مؤجل وأمل متجدد بين كل قذيفة وأخرى.
كُتاب غزة ليسوا مجرد مؤرخين للألم بل هم شهود عليه وجزء منه من يكتب عن الحرب وهو يعيشها لا يكتب بمداد الحبر بل بمداد القلب والألم والخوف والأمل معًا. غسان كنفاني الذي رحل قبل أن يرى المجازر الأخيرة لكنه كتب كأنما كان يراها كأنما كان يُمسك المستقبل بيديه محمود جودة كاتب القصة القصيرة الذي وثّق لحظات الحرب بحبرٍ من وجع فاض من بيته قبل قلمه عاطف أبو سيف الذي نجا من الموت مرات ليكتب عن الناجين والراحلين ليحكي عن الصمود كأنه جزء من ذاكرة الأرض التي لا تنسى من ساروا عليها ثم غادروها.
في غزة لا نكتب لكي نصنع مجدًا شخصيًا بل لأننا نبحث عن صوتٍ وسط هذا الصمت الكبير لأننا نريد للعالم أن يسمع ويرى ويفهم أننا لسنا أرقامًا في نشرات الأخبار ولسنا مجرد أبطال في قصص الحروب التي تُكتب بعد انتهاء المعارك نحن أناسٌ نحلم ونحب ونبني ثم تهدم الحرب كل شيء ثم نعود لنحلم ونحب ونبني من جديد كأنما هذه هي الحياة في غزة دوائر من الفقدان والتجدد كأننا نقول للعدم لن تهزمنا الكتابة في غزة ليست فقط توثيقًا للدمار لكنها أيضًا إعلانٌ عن البقاء رغم كل شيء.
هل يقرأ العالم أدبنا هل يعرف الغرباء ماذا يعني أن تكتب قصيدة وأنت تسمع صوت القذائف هل جربوا أن يكتبوا رسالة حب وهم لا يعرفون إن كانوا سيعيشون حتى تصل الرسالة هل تخيلوا أن الكلمات قد تكون آخر ما يُترك من إنسان رحل فجأة لأن الحرب لا تمنح مقدمات ولا تنذِر بوقت الرحيل إنهم يقرؤون أدب الحرب كأنه قصة بعيدة كأنه حكاية من زمن آخر أما نحن فنكتبها كأنها دمنا وكأنها نحن تمامًا.
في غزة الأدب ليس نصًا يُقرأ. الأدب حياة تُعاش وحكاية تُكتب بالدم والدموع والصبر والأمل لأن الحرب قد تأخذ منا كل شيء لكنها لا تستطيع أن تأخذ منا كلماتنا وإن أخذت فهي تظل عالقة في ذاكرة الأرض في وجوه الأطفال في عيون الأمهات في رائحة الخبز المحترق في شوارع المدينة التي تُعيد بناء نفسها ألف مرة رغم أنف الدمار نحن نكتب لأن الكتابة هي شكلنا الآخر لأن الأدب في غزة ليس أدبًا عن الحرب بل أدبٌ من قلبها وكأن الحبر هو الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها أن نحول الرماد إلى حياة.
وكلما حاولنا أن نلتقط أنفاسنا تسحبنا الحياة مرة أخرى إلى دوامة الألم والكتابة. نجلس في الظل نحاول أن نفكر في شيء آخر، أن نحلم خارج هذا السياج من الحصار والموت، لكننا نعود، دائماً نعود إلى الحروف التي تطاردنا، إلى الذاكرة المثقلة بالمجازر، إلى أسماء تكتب على الجدران وتمحى مع أول قذيفة جديدة.
حين نمشي في شوارع المدينة نبحث عن القصص المخبأة بين الأزقة، عن الشعر الذي يخرج من حناجر الأطفال حين يصرخون لأمهاتهم، عن الروايات التي تكتبها العجائز حين يتحدثن عن بيوت كانت هنا ثم اختفت، عن القصائد التي تصعد مع الدخان حين يقف الرجال أمام الركام يحاولون أن يفهموا كيف لم يكن هذا مجرد حلم سيء.
نحن نكتب لكي لا تبتلعنا العتمة، لكي لا نتحول إلى أرقام في دفاتر المنظمات الدولية، نكتب لنقول إننا هنا، وإننا لسنا مجرد ضحايا، نحن أصحاب هذه الأرض، نحن الذين نحملها فوق أكتافنا كل يوم، رغم الجراح، رغم الموت الذي يمر كل ليلة ليختار ضحيته التالية. نحن من يزرع الأمل في تربة مشبعة بالدماء، من يبني جدارًا من الكلمات في وجه العدم، من يحول الرماد إلى حكايات لن تُنسى.
في غزة، لا تنتهي القصص كما في الروايات التقليدية، لا يوجد فصل أخير، لا توجد خاتمة سعيدة، لكننا نكتب لأنفسنا نهاية مفتوحة، نكتب لنقول للعالم إننا رغم كل شيء، ما زلنا هنا، نحلم، نحب، نكتب، وننتظر الغد.