| يوسف يعقوب
الرمزية - كيف يخبئ الكاتب المعاني بين السطور؟
في عالم الأدب، حيث الكلمات ليست مجرد حروف متراصة، وإنما ظلال وأصداء تسكن النصوص، تتسلل الرمزية كطيف غير مرئي، كوشوشة غامضة في أذن القارئ، وكأن الكاتب يهمس له بأسرار لا تُقال مباشرة، بل تُفهم عبر الإيحاء والتلميح. إن الرمزية ليست مجرد تقنية، إنها فن صعب المنال، لا يُتقنه إلا من امتلك بصيرة ثاقبة وقدرة على حياكة العوالم الخفية بين السطور.
كل نص أدبي عظيم ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو فسيفساء من المعاني المختبئة خلف كل كلمة، ينتظر القارئ الذي لا يكتفي بالسطح، بل يملك الجرأة على الغوص في العمق، يبحث عن اللؤلؤ المخفي في قاع المحيط. لقد أدرك كبار الكتّاب أن الحقيقة المباشرة تُفقد النص هيبته، فتواروا خلف الرموز، ونسجوا عوالم مليئة بالاستعارات والدلالات.
إن الكاتب حين يختار أن يكون رمزياً، فهو يقرر أن يختبئ خلف ستار شفاف، لا يحجب الرؤية تمامًا، لكنه يخلق ضبابًا يجعل القارئ يطيل النظر، يشكك، يحلل، يقرأ ما وراء الكلمات أكثر مما يقرأ الكلمات ذاتها. في عالم الأدب، لا شيء يحدث عبثًا، كل ظلّ في الرواية يحمل معنى، كل نافذة مفتوحة قد تعني حرية مفقودة، وكل باب مغلق قد يكون إشارة إلى روح مسجونة.
حين كتب كافكا "المسخ"، لم يكن جريجور سامسا مجرد رجل تحول إلى حشرة، بل كان رمزًا للاغتراب الإنساني، للعزلة القسرية، للتحوّل الذي يطرأ على النفس حين تسقط من حسابات الآخرين. وحين شيد جورج أورويل عالم "1984"، لم يكن مجرد خيال ديستوبي، بل كان صرخة مستترة ضد الاستبداد، وتحذيرًا من أنظمة القمع التي تراقب الأنفاس حتى في الصمت. الرمزية هنا ليست تزيينًا أو زخرفة، بل هي صوت خفي يقول الحقيقة التي يخشى الواقع قولها.
لكن الرمزية ليست مجرد أدوات وألاعيب لغوية، إنها حساسية خاصة، إحساس بأن في العالم أسرارًا لا تُقال إلا همسًا. إنها تجعل من القمر في قصائد الشعراء أكثر من جرم سماوي، تجعل من المطر في الروايات أكثر من مجرد قطرات ماء، تجعل من الغراب الذي حلّق فوق رأس إدغار آلان بو أكثر من مجرد طائر. الرمزية تمنح النصوص روحًا، تجعلها قابلة للتأويل، قابلة لأن تُقرأ بطرق مختلفة وفقًا لعين كل قارئ.
من أين تأتي الرمزية؟ إنها تتولد من الحاجة إلى البقاء، من وعي الكاتب بأن الحقيقة المباشرة قد تكون خطيرة، مرفوضة، أو ربما مملة. التاريخ الأدبي مليء بأمثلة لكُتّاب اضطروا إلى إخفاء معانيهم خشية أن تُفهم خطأ، أو أن تُمنع أعمالهم، أو حتى أن يُحاكموا بسببها. إنها وسيلة للحماية، لكنها أيضًا وسيلة لإغناء المعنى، لجعل النص متعدد الطبقات، عصيًّا على الاستهلاك السريع.
حين نقرأ روايات دوستويفسكي، ندرك أن الفقر ليس مجرد فقر، والجريمة ليست مجرد جريمة، والجنون ليس جنونًا بالمفهوم الطبي، بل هو صراع روحي، هو سؤال عن الخير والشر، هو مسرح تتصارع فيه الأفكار. الرمزية هنا لا تأتي كأداة شكلية، بل هي ضرورة، كأنها النفس الذي يتنفسه الكاتب حين تضيق به الحقيقة العارية.
في الأدب العربي، يمكننا أن نرى الرمزية واضحة في شعر محمود درويش، حيث الأرض ليست مجرد أرض، والوطن ليس مجرد مكان، بل فكرة، حنين، صراع أزلي بين المنفى والجذور. ونجدها في نجيب محفوظ، حين يجعل الحارة رمزًا للوطن، وحين تتحول الشخصيات إلى تمثيلات لمفاهيم أكبر، حيث الشيخ عبد ربه التائه في "حديث الصباح والمساء" ليس مجرد رجل، بل هو الزمن نفسه، أو ربما الحكمة الضائعة.
إن فهم الرمزية ليس سهلاً، لكنه أيضًا ليس مستحيلاً. على القارئ أن يقرأ بعينين لا بعين واحدة، أن يتعلم كيف يقرأ ما لم يُكتب، كيف يلتقط الإشارات كما يلتقط العاشق نبرة الصوت الخفية التي تحمل معاني لا تُقال. إن الأدب العميق لا يُقرأ من أول مرة، إنه يحتاج إلى إعادة قراءة، يحتاج إلى تأمل، إلى أن يضع القارئ نفسه في موضع الكاتب، يسأل: لماذا اختار هذه الصورة؟ لماذا قال هذا بدلاً من ذاك؟ لماذا ترك هذه الجملة مفتوحة على احتمالات؟
وهكذا تبقى الرمزية فناً غامضاً، عصيًّا على التفسير الواحد، حيًّا بقدر ما يكون النص حيًّا، وكأنها روح الأدب التي تجعل الكلمات تتنفس، تجعل النصوص قادرة على العيش لعقود، بل لقرون، لأنها ليست مجرد قصص تُحكى، بل ألغاز تُفكّ، وأبواب تُفتح، وسراديب لا تنتهي.