| يوسف يعقوب
تقنيات السرد المتعددة: متى تستخدم كل منها؟
المقدمة
يُعَدُّ السرد عنصرًا جوهريًا في الكتابة الإبداعية، فهو الوسيلة التي يُوصَل من خلالها للقارئ ويؤثر عليه عاطفيًا وفكريًا. تتعدد تقنيات السرد وتختلف بين الراوي العليم، والسرد بضمير المتكلم، والسرد غير الموثوق، وغيرها، مما يجعل اختيار التقنية المناسبة أمرًا أساسيًا في نجاح العمل الأدبي.
في هذا المقال، سنستعرض أبرز تقنيات السرد، ونوضح متى يُفضل استخدامها، مع تحليل تأثير كل تقنية على القارئ والنص.
1. السرد بضمير المتكلم (First-Person Narrative)
ما هو؟
يقوم الراوي هنا بسرد الأحداث من وجهة نظره الخاصة، مستخدمًا ضمير المتكلم (أنا). يكون القارئ محدودًا بمعلومات هذا الراوي، مما يمنحه تجربة غنية بالذاتية والتفاعل العاطفي.
متى يُستخدم؟
- عندما يكون الهدف تقديم تجربة شخصية غامرة للقارئ.
- في الروايات النفسية التي تعتمد على المشاعر والأفكار الداخلية للشخصية.
- إذا كان السرد يحتاج إلى مستوى عالٍ من التفاعل العاطفي مع القارئ، مثل في السيرة الذاتية أو الروايات الاعترافية.
الأمثلة الأدبية
رواية الحارس في حقل الشوفان لـ"جي. دي. سالينجر" تُعد مثالًا رائعًا على السرد بضمير المتكلم، حيث ينقل الراوي مشاعره وأفكاره بشكل عفوي صادق.
2. السرد بضمير الغائب (Third-Person Narrative)
ما هو؟
يُسرد العمل الأدبي من خلال ضمير الغائب (هو/هي)، ويمكن أن يكون الراوي عليمًا بكل شيء أو محدود المعرفة بشخصية واحدة أو عدة شخصيات.
أنواعه
أ. الراوي العليم (Omniscient Narrator)
يكون الراوي قادرًا على معرفة كل شيء عن الشخصيات والأحداث، بما في ذلك أفكارهم ومشاعرهم.
متى يُستخدم؟
- عندما يحتاج الكاتب إلى تقديم منظور شامل عن القصة.
- إذا كان العمل الأدبي يتناول عدة شخصيات رئيسية متداخلة في الحبكة.
- عند تقديم سياق تاريخي أو اجتماعي واسع.
مثال:
رواية الحرب والسلم لتولستوي تستخدم الراوي العليم لسرد تفاصيل دقيقة عن الأحداث والشخصيات.
ب. الراوي محدود المعرفة (Limited Narrator)
يُركز السرد على شخصية واحدة فقط دون معرفة أفكار الشخصيات الأخرى.
متى يُستخدم؟
- عندما يريد الكاتب إبقاء القارئ في حالة غموض وإثارة.
- إذا كان الهدف تعزيز التعاطف مع شخصية معينة من خلال رؤيتها للعالم.
مثال:
رواية هاري بوتر لـ"ج. ك. رولينج"، حيث يعرف القارئ كل شيء من خلال منظور هاري فقط.
3. السرد غير الموثوق (Unreliable Narrator)
ما هو؟
يتمثل في راوٍ يقدم معلومات مشوهة أو غير دقيقة، سواء عن قصد أو دون وعي، مما يجعل القارئ يشكك في مصداقيته.
متى يُستخدم؟
- في الروايات البوليسية والتشويق حيث يريد الكاتب إرباك القارئ.
- في القصص التي تتناول الأمراض النفسية أو الهلوسة.
- إذا كان الهدف هو دفع القارئ للتساؤل حول الحقيقة والواقع.
مثال:
رواية دون كيشوت لـ"ميغيل دي ثيربانتس"، حيث يعيش البطل في عالم وهمي.
4. السرد المتعدد (Multiple Narrators)
ما هو؟
يتم تقديم القصة من خلال أكثر من راوٍ، مما يتيح تنوع وجهات النظر وإثراء النص.
متى يُستخدم؟
- عندما يكون هناك حاجة إلى تقديم القصة من زوايا مختلفة.
- إذا كانت الرواية تعتمد على كشف المعلومات تدريجيًا من خلال شخصيات متعددة.
- في الأعمال الأدبية التي تستهدف تقديم رؤية شاملة للقضية المطروحة.
مثال:
رواية الغيوم تسافر شمالًا لـ"إليف شافاق"، حيث تتناوب الشخصيات في السرد، مما يعطي عمقًا للرواية.
5. تيار الوعي (Stream of Consciousness)
ما هو؟
تقنية سردية تُحاكي تدفق الأفكار الداخلية للشخصيات دون تنظيم أو ترتيب منطقي، مما يعكس وعيهم اللحظي.
متى يُستخدم؟
- في الروايات التجريبية التي تسعى لكشف الاضطرابات الذهنية والعاطفية.
- عندما يكون الهدف تقديم منظور داخلي عميق للشخصية.
مثال:
رواية يوليسيس لـ"جيمس جويس"، حيث يتم استخدام تيار الوعي بطريقة معقدة.
الخاتمة
تمثل تقنيات السرد أداة قوية في يد الكاتب، حيث تؤثر بشكل مباشر على تجربة القارئ وتفاعله مع القصة. لا توجد قاعدة صارمة لاختيار التقنية المثلى، لكن فهم تأثير كل منها يمكن أن يساعد في اتخاذ القرار المناسب وفقًا لطبيعة القصة والرسالة التي يرغب الكاتب في إيصالها.
هل لديك تجربة في الكتابة باستخدام تقنية معينة؟ شاركنا رأيك في التعليقات!