| أنور يوسف
دماء الزيتون: أنشودة الأرض الناقمة.
أرضُ الزيتونِ والتينِ تُغرقُها الليالي بدماءِ الأبرياء، في صمتٍ يلفُّ الكونَ بثقله. شعبٌ صيغَ جلدُه من حجرٍ، وقلبهُ من نورٍ لا يخبو، يقاومُ تحتَ سماءٍ ملبدةٍ بالظلم. أرواحُ الشهداءِ تُزهرُ كالوردِ في حقولِ الخلود، بينما عيونُ الأطفالِ تحملُ أحلامًا ترفضُ الاستسلامَ للسارقين.
فلسطينُ ليستْ مجردَ أرضٍ، بل ضميرُ التاريخِ النازفُ من خيانةِ العابرينَ وصمتِ المتفرجين. ومع ذلك، يظلُّ هذا الشعبُ كالجبالِ، يروي ترابَهُ بدمٍ، ويبني إيمانَهُ على أنقاضِ اليأسِ.في غزةَ يترددُ أنينُ الجرحى كصدىً لا ينتهي، وفي جنينَ تقاومُ الحجارةُ ما عجزتْ عنهُ القنابلُ.
لم يعد الصمتُ مجردَ حالةٍ عابرةٍ، بل لغةٌ تكتبُ بها الأممُ تخاذلَها. الأبطالُ الذين حملوا رايةَ العدالةِ تلاشتْ أصواتُهم في ضبابِ الخذلانِ، تاركينَ خلفَهم أنفاسًا تائهةً بينَ الوعودِ المكسورةِ. لكنَّ فلسطينَ تظلُّ شاهدةً، تروي الأحجارُ في شوارعِ القدسِ قصصًا عن شبانٍ تحدوا الموتَ بحجرٍ، وعن أمهاتٍ علَّمنَ العالمَ معنى الصبرِ وهُنَّ يودّعنَ أبناءَهنَّ إلى السماءِ.مأساةٌ تتجاوزُ اللغةَ، حيثُ يتشابكُ الألمُ مع جذورِ الأملِ، والدمُ مع كبرياءِ الكرامةِ.
كلُّ بيتٍ يُهدمُ يُولدُ منهُ ألفُ جذعٍ جديدٍ، وكلُّ طفلٍ تُسلبُ طفولتُه يصيرُ شعاعًا يخترقُ ظلمةَ الواقعِ. إنها ليستْ معركةَ أرضٍ فحسب، بل صراعُ وجودٍ يمتدُّ في أعماقِ الزمنِ، يُعيدُ تشكيلَ المعاني ويُثبتُ أنَّ الحقَّ لا يُطوى بقوةِ السلاحِ، وأنَّ الشعبَ الذي اختارَ الحياةَ لا يُقهرُ.فلسطينُ جرحٌ مفتوحٌ في جسدِ الإنسانيةِ، ينزفُ منذ عقودٍ دونَ أن يجفَّ. الزمنُ قد يمتدُّ، والظلمُ قد يتفاقمُ، لكنَّ بذورَ النصرِ مزروعةٌ في ترابِها المقدسِ.
في عيونِ أبنائها وعدٌ لا ينطفئُ، وفي أنفاسِهم عزمٌ يتحدى القيودَ. يومًا ما، ستُشرقُ شمسٌ لا تُغطيها غيومُ الطغيانِ، لتعودَ الأفراحُ إلى بيوتٍ طردَها الغاصبونَ، والأطفالُ إلى مدارسهم المحرومةِ.العالمُ الذي أغلقَ عينيه عن هذه الحقيقةِ يواجهُ اختبارًا أعمقَ من مجردِ سياسةٍ.
فلسطينُ ليستْ قضيةَ شعبٍ وحيدٍ، بل مرآةٌ تعكسُ صدقَ الضمائرِ أو زيفَها. التاريخُ يكتبُ، والأجيالُ تراقبُ، وكلُّ قطرةِ دمٍ تُراقُ تتحولُ إلى شهادةٍ ضدَّ الظالمينَ. لكنَّ الأملَ لا يموتُ، ففي كلِّ ركنٍ من هذه الأرضِ ينبتُ جيلٌ يحملُ جذوةَ الحريةِ، يُعيدُ صياغةَ الحكايةِ التي حاولَ المحتلونَ محوَها. فلسطينُ باقيةٌ، وشعبُها عصيٌّ على الانكسارِ، والنصرُ محتومٌ مهما امتدَّتْ ليالي الظلامِ.
التسميات
أقلام