نسير على خدعة الوقت: غزة تقطر دماً.

| يوسف يعقوب

نسير على خدعة الوقت: غزة تقطر دماً.

الوقت ليس خطًا مستقيمًا، بل متاهة مليئة بالفخاخ، كذبة جماعية نتواطأ جميعًا على تصديقها. نحن نسير على هذه الخدعة بأقدام مرهقة، نظن أننا نتقدم، بينما نحن في الحقيقة ندور في نفس الدائرة المغلقة. لكن في غزة، الوقت ليس خدعة، إنه سكين بارد ينغرس في اللحم ببطء، يقطع أوصال الحياة، يترك الجروح مفتوحة ثم يمضي بلا اكتراث. هناك، عقارب الساعة لا تقيس الزمن، بل تحصي عدد القذائف التي سقطت، عدد الجثث التي لم تُنتشل، عدد الصرخات التي لم يسمعها أحد. لا أحد يسأل عن الساعة في غزة، لأن الإجابة دائمًا هي: "الآن... الآن يحدث الموت."

في المدن الأخرى، الزمن يقاس بالأعياد والمواسم، بالولادات والأعراس، أما في غزة، فهو يقاس بالمجازر، بعدد الأيام التي نجوت فيها، بعدد الأسماء التي تحولت إلى صور معلقة على الجدران، بعدد البيوت التي أصبحت أطلالًا. في أماكن أخرى، الناس يخافون الشيخوخة، يخشون مرور السنوات، لكن في غزة، لا أحد يشيخ، إما أن تموت صغيرًا، أو أن تعيش وكأنك قد شهدت قرونًا من الألم في بضع سنوات. الطفل هناك لا يكبر تدريجيًا، بل يقفز من الطفولة إلى الشيخوخة دفعة واحدة، يحمل في عينيه نظرة رجل فقد كل شيء قبل أن يتعلم نطق اسمه جيدًا.

في الروايات، الألم يأتي كمرحلة عابرة، كحدث يُستخدم لدفع القصة إلى الأمام، لكنه في غزة ليس مجرد فصل في كتاب، إنه الكتاب بأكمله، إنه الصفحة الأولى والأخيرة، إنه الفكرة التي تحكم كل شيء. حتى الأحلام هناك مصنوعة من الحطام، حتى الأمل ممزوج برائحة الدخان، حتى الحب نفسه يصبح نوعًا من المقاومة، لأن أن تحب في غزة يعني أن تعيش رغم كل شيء، أن تحب هناك يعني أن تكون على استعداد للفقدان في أي لحظة، أن تعرف أن وجه من تحب قد يتحول إلى صورة يحملها أحد الناجين في جيبه، أن تهمس باسم الحبيب وأنت تنظر إلى السماء، متسائلًا إن كان هذا الاسم سيُقال مجددًا أم أنه سيندثر كما اندثر الكثيرون.

هل فكرت يومًا في كيف يبدو الوقت عندما يكون ثقيلًا كالرصاص؟ في غزة، الزمن ليس مجرد لحظات تمر، بل وزن يُلقى على الأرواح، يُثقل الصدور حتى يصبح التنفس عملاً شاقًا. الوقت هناك ليس محايدًا، ليس مجرد خلفية للحياة، بل طرف في الجريمة، يتواطأ مع القتلة، يبطئ وصول الإسعاف، يسرع في سقوط القذائف، يتلاعب بالأمل كما لو كان ورقة في مهب الريح.

هناك، الشوارع ليست مجرد طرق، إنها ذاكرة مشروخة، تحتفظ بصدى الخطوات التي لن تعود، بالأحلام التي تبعثرت على الإسفلت، بالأسماء التي حُفرت على الجدران ثم مُحيت بفعل القصف. الأرصفة تحفظ آثار الأقدام التي عبرتها، والبيوت المدمرة تظل واقفة كأشباح، تهمس بأسماء من كانوا فيها. في كل زاوية، هناك قصة قُطعت قبل أن تنتهي، اسم نُسي قبل أن يُخلد، صورة احترقت قبل أن تُحفظ.

الموت هناك ليس صدمة، بل إيقاع يومي. يأتي بلا مقدمات، بلا اعتذارات، يدخل المنازل كما لو كان ضيفًا غير مرحب به، لكنه معتاد على دخوله. يمر بين الأطفال في الأزقة، يطرق الأبواب دون انتظار، يتسلل عبر النوافذ المفتوحة، ينام في أحضان الأمهات، يحفر اسمه على الجدران.

لكن رغم كل شيء، رغم الزمن المشوه، رغم الجدران التي لم تعد تعرف شكلها الأصلي، رغم البحر الذي لم يعد يعكس سوى لون الرماد، رغم الطفولة التي قُتلت قبل أن تولد، رغم كل هذا، هناك شيء في غزة لا يموت. شيء يشبه الصرخة التي لم يسمعها أحد، لكنها رغم ذلك، لم تتوقف يومًا عن الصدى.


    

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال